لم تعد تداعيات تصريحات الفرنسي كيليان مبابي عن الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ مقتصرة على ردود الفعل الجماهيرية، بعدما امتدت إلى المصالح التجارية المرتبطة بريال مدريد ورابطة الدوري الإسباني داخل السوق الصينية، أحد أبرز الأسواق الخارجية لكرة القدم الأوروبية. وتحولت الأزمة إلى اختبار للعلاقات التجارية التي بنتها الليغا والنادي الملكي مع المؤسسات والشركات الصينية على مدار سنوات، خاصة بعد تعليق بث مباريات المسابقة عبر منصات التلفزيون الحكومي، واستبعاد مواجهة ريال مدريد أمام راسينغ سانتاندير من جدول بث منصة «ميغو» الرقمية، رغم استمرار نقل بقية مباريات الجولة. وتكمن حساسية الموقف في حجم المصالح التي قد تتأثر باستمرار الخلاف، إذ تشير تقديرات سوقية إلى أن قيمة أعمال حقوق بث الدوري الإسباني في الصين قد تصل إلى 400 مليون يورو حتى عام 2030، إلى جانب نشاط ريال مدريد في بيع المنتجات الرسمية وإبرام عقود الرعاية والتسويق مع شركات صينية. ورغم التحركات التي شهدتها الأيام الأخيرة، بداية من اعتذار مبابي،
مرورًا ببيانات رابطة الدوري الإسباني وريال مدريد، وصولًا إلى لقاء رئيس الرابطة خافيير تيباس بالسفير الصيني لدى إسبانيا ياو جينغ، فإن حجم الخسائر المحتملة لا يزال غير واضح، في ظل غياب إعلان رسمي عن إلغاء العقود التجارية الكبرى. حقوق بث بـ400 مليون يورو.. كيف وصلت الليغا إلى المنازل الصينية؟ تمثل السوق الصينية واحدة من المحطات المهمة في استراتيجية رابطة الدوري الإسباني لتوسيع انتشار البطولة خارج حدود إسبانيا، وهو ما انعكس في الاتفاقيات التي أبرمتها مع المؤسسات الإعلامية ومنصات البث المحلية خلال السنوات الماضية. وكان أحدث هذه الاتفاقيات ما وقعته الرابطة في الثالث من أغسطس الماضي مع منصة «ميغو»، التابعة لشركة «تشاينا موبايل» الحكومية، للحصول على حقوق البث الرقمي لمباريات الدرجة الأولى في البر الصيني، لمدة أربعة مواسم بداية من 2026-2027 وحتى نهاية موسم 2029-2030. ويمنح العقد المنصة حق نقل جميع مباريات المسابقة، بواقع 380 مباراة في الموسم، ليصل إجمالي المواجهات إلى 1520 مباراة على مدار مدة
الاتفاق، فضلًا عن الملخصات والمقاطع القصيرة والمحتوى الرياضي حسب الطلب، من خلال خدمات مجانية وأخرى تعتمد على الاشتراكات المدفوعة. وتكشف الأرقام الخاصة بمنصة «ميغو» عن اتساع نطاق انتشارها، إذ سجلت خدمة الفيديو التابعة لها 520 مليون مستخدم نشط شهريًا عبر منصاتها المختلفة خلال عام 2024، وفق البيانات المالية لشركة «تشاينا موبايل»، بزيادة سنوية بلغت 12.1%. لكن هذا الرقم يعبر عن قاعدة المستخدمين النشطين للخدمة إجمالًا، وليس عدد المشتركين الذين يتابعون الدوري الإسباني أو يدفعون مقابل مشاهدة مبارياته، إذ لم تكشف الشركة عن بيانات منفصلة تخص البطولة. وبحسب تقديرات نقلتها صحيفة «موندو ديبورتيفو» الإسبانية عن مصادر في سوق حقوق البث أوردتها صحيفة «فوزبوبولي»، قد تصل قيمة أعمال حقوق البث الخاصة بالدوري الإسباني في الصين إلى 400 مليون يورو حتى عام 2030، بمتوسط يقترب من 100 مليون يورو سنويًا. ومع ذلك، لم تكشف الرابطة أو شركاؤها الصينيون عن القيمة الرسمية للعقد، كما لم تعلن تفاصيل البنود الخاصة بتعليق
البث أو احتمالات إنهاء الاتفاق، وبالتالي لا يمكن اعتبار الرقم خسائر مالية مؤكدة أو أموالًا فقدتها المسابقة بالفعل. التلفزيون الحكومي وميغو.. مساران لنقل مباريات الدوري الإسباني لم تكن شراكة «ميغو» المنفذ الوحيد الذي اعتمدت عليه الليغا للوصول إلى المشاهد الصيني، إذ سبق أن أعادت الرابطة مباريات المسابقة إلى شاشات مجموعة الإعلام الصينية في سبتمبر 2024، عقب اتفاق جرى خلال زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى بكين. وجمع الاتفاق بين خافيير تيباس وشن هايشيونغ، رئيس مجموعة الإعلام الصينية ونائب رئيس دائرة الدعاية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، في خطوة استهدفت تعزيز حضور المسابقة داخل البلاد. وتضم المجموعة شبكة التلفزيون الحكومي «سي سي تي في»، وكانت ترتيبات البث التي أوردتها صحيفة «إل موندو» تتيح نقل مباراتين مجانًا في كل جولة، إلى جانب المحتوى الرياضي عبر المنصات الرقمية التابعة لها. وبذلك، توزعت حقوق وصول الدوري الإسباني إلى الجمهور الصيني بين شراكة مع مجموعة الإعلام الحكومية
وأخرى مع منصة «ميغو»، وهو ما يفسر اختلاف الإجراءات التي اتخذها الطرفان خلال الأزمة الأخيرة. ففي الوقت الذي علقت فيه مجموعة الإعلام الصينية بث مباريات الليغا عبر منصاتها، اكتفت «ميغو» باستبعاد مواجهة ريال مدريد أمام راسينغ سانتاندير من جدولها، مع استمرار إدراج المباريات التسع الأخرى للجولة. الصين والولايات المتحدة.. ركيزتان لإيرادات البث الخارجي تعكس أهمية السوق الصينية حجم اعتماد رابطة الدوري الإسباني على العوائد القادمة من خارج حدودها، إذ بلغت إيرادات تسويق الحقوق التلفزيونية نحو 1.87 مليار يورو خلال موسم 2024-2025، من بينها 748 مليون يورو من الأسواق الدولية، بما يعادل قرابة 40% من الإجمالي. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر داخل الرابطة أن الصين والولايات المتحدة تمثلان معًا الجزء الأكبر من إيرادات حقوق البث الدولية، دون الكشف عن نصيب كل سوق بصورة منفصلة. وتعود جذور التعاون التجاري بين الليغا والمؤسسات الصينية إلى سنوات طويلة، إذ أبرمت الرابطة عام 2015 اتفاقية مع منصة «بي بي تي في»،
التابعة لمجموعة «سونينغ»، قدرت قيمتها بنحو 250 مليون يورو مقابل حقوق البث لمدة خمس سنوات. وفي عام 2018، انتقلت إدارة الحقوق إلى مجموعة «ووهان دي دي إم سي» بموجب اتفاق جديد امتد لخمس سنوات، وقدرت مصادر عاملة في صناعة الرياضة قيمته بنحو 100 مليون يورو للموسم الواحد، رغم عدم إعلان الرقم رسميًا. ولم تكن العلاقة خالية من الأزمات المالية، بعدما دخلت الرابطة في نزاع مع شريكها الصيني السابق «سوبر سبورتس ميديا» بسبب مستحقات متأخرة بلغت 45 مليون يورو. ووفقًا لموقع «تو بلاي بوك» الإسباني المتخصص في اقتصاد الرياضة، ساهم عدم تحصيل هذه المستحقات في تراجع المبالغ الموزعة على الأندية خلال موسم 2024-2025 بنحو 65 مليون يورو مقارنة بالموسم السابق، ما دفع الرابطة إلى ترتيب تمويل بقيمة 16.7 مليون يورو مع بنك سانتاندير لمساعدة الأندية التي واجهت نقصًا في السيولة. ولم يقتصر التعاون على بيع حقوق المباريات، إذ افتتحت الرابطة أول مكاتبها في الصين عام 2014، ثم وسعت وجودها في بكين وشنغهاي وهونغ كونغ، مع الدخول في
اتفاقيات للتعاون الرياضي وتطوير كرة القدم. وفي فبراير 2026، أعلنت رابطة الدوري الإسباني والاتحاد الإسباني لكرة القدم توقيع مذكرتي تفاهم منفصلتين مع الاتحاد الصيني، شملتا مجالات التدريب والإدارة وتطوير اللعبة. ريال مدريد والصين.. سوق تجارية تتجاوز قمصان مبابي على الجانب الآخر، ترتبط مصالح ريال مدريد داخل الصين بمجموعة واسعة من الأنشطة التجارية، تشمل بيع القمصان والمنتجات الرسمية، إلى جانب عقود الرعاية والتسويق والشراكات مع العلامات التجارية المحلية. وتشير تقديرات نقلتها صحيفة «ماركا» الإسبانية إلى أن السوق الصينية تمثل ما بين 10% و15% من مبيعات النادي للقمصان والمنتجات الرسمية خارج إسبانيا، فيما يعد قميص كيليان مبابي من المنتجات التي تحظى بطلب كبير لدى الجماهير الصينية. ويأتي هذا النشاط ضمن منظومة تجارية ضخمة للنادي الملكي، الذي أعلن في يوليو الماضي تحقيق إيرادات تشغيلية قياسية بلغت 1.221 مليار يورو خلال موسم 2025-2026، بزيادة قدرها 3.1% عن الموسم السابق. وبحسب الحسابات الرسمية، وصلت
إيرادات التسويق إلى 539 مليون يورو، مقابل 319 مليون يورو من حقوق التلفزيون والمنافسات الدولية، و363 مليون يورو من أنشطة الملعب. وتشمل إيرادات التسويق عقود الرعاية والأنشطة التجارية ومبيعات المنتجات في مختلف الأسواق، دون تقديم تفصيل منفصل للعائدات القادمة من الصين، وهو ما يجعل تقدير التأثير المالي للأزمة على النادي أمرًا غير محسوم حتى الآن. أما فيما يتعلق بحقوق بث الليغا، فقد حصل ريال مدريد على 157.92 مليون يورو خلال موسم 2024-2025، ليحتل صدارة الأندية الإسبانية من حيث التوزيعات، متقدمًا على برشلونة الذي نال 156.45 مليون يورو. وتعود محاولات النادي لتعزيز انتشاره التجاري في الصين إلى أكثر من عقد، بعدما أعلن في يوليو 2015 إطلاق متجر إلكتروني رسمي عبر منصة «تي مول غلوبال»، التابعة لمجموعة «علي بابا»، لبيع قمصان اللاعبين والملابس والمنتجات التذكارية. وشهدت مدينة غوانغجو حفل إطلاق الشراكة، بحضور رئيس النادي فلورنتينو بيريز وعدد من لاعبي الفريق، ضمن خطة استهدفت الوصول المباشر إلى المستهلك
الصيني. وفي عام 2017، عرض ريال مدريد خلال قمة تجارية في بكين تقديرات لشركة «نيلسن سبورتس» تشير إلى امتلاكه نحو 97 مليون مشجع في الصين آنذاك، وهو رقم يعود إلى ذلك التوقيت ولا يمثل إحصاءً حديثًا لحجم قاعدته الجماهيرية. هايسنس ولينغلونغ وروبوروك.. خريطة الرعاة الصينيين تمتد علاقات ريال مدريد التجارية مع الشركات الصينية إلى عقود الرعاية، التي شهدت انضمام عدد من العلامات التجارية العاملة في قطاعات مختلفة إلى قائمة شركاء النادي. ففي سبتمبر 2024، أعلن ريال مدريد توقيع شراكة عالمية مع شركة «لينغلونغ تاير» المتخصصة في صناعة إطارات السيارات، وذلك بعد شهر واحد من الكشف عن اتفاقية لمدة ثلاث سنوات مع شركة «هايسنس» للإلكترونيات والأجهزة المنزلية. وبموجب الاتفاق المعلن، أصبحت «هايسنس» راعيًا إقليميًا للنادي في إسبانيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يعني أن النطاق الجغرافي للشراكة لا يقتصر على السوق الصينية، رغم أن الشركة تتخذ من الصين مقرًا لها. وفي يناير 2026، أضاف النادي شركة «روبوروك» المتخصصة في
الأجهزة المنزلية الذكية والمكانس الكهربائية الروبوتية إلى قائمة شركائه، من خلال اتفاقية إستراتيجية عالمية تتضمن حملات تسويقية مشتركة وظهور العلامة التجارية في مرافق النادي وأنشطته. كما يدرج ريال مدريد منصة «كاييون سبورتس» ضمن قائمة شركائه الرسميين، وهي منصة للمراهنات الرياضية أشارت إليها وكالة الصحافة الفرنسية ضمن الشركات المرتبطة تجاريًا بالنادي. ورغم تعدد هذه الاتفاقيات، لم يكشف ريال مدريد عن قيمتها المالية، كما لم تعلن الشركات المذكورة إنهاء شراكاتها معه على خلفية أزمة مبابي، ولذلك لا يمكن اعتبارها ضمن الخسائر التجارية التي تحققت بالفعل. وتبرز كذلك مسألة حقوق الصورة الخاصة بالنجم الفرنسي، بعدما تحدثت تقارير إسبانية عن احتفاظ ريال مدريد بنحو 20% من عائدات عقود الرعاية الجديدة التي يبرمها اللاعب عقب انتقاله إلى النادي، مع احتفاظه بعوائد اتفاقياته السابقة. لكن تفاصيل العقد بين الطرفين لم تُنشر بصورة رسمية، ولا توجد بيانات تحدد ما إذا كانت الاتفاقيات الدعائية الصينية التي فقدها مبابي تمنح
ريال مدريد حصة مباشرة من عائداتها. مبابي يدفع الثمن التجاري.. شركات صينية تنهي تعاونها على عكس العقود المرتبطة بريال مدريد ورابطة الدوري الإسباني، ظهرت التداعيات المالية المباشرة للأزمة بصورة أوضح في الشراكات الشخصية للنجم الفرنسي. وبدأت الأزمة عقب انتشار مقطع مصور لمبابي يتحدث فيه ساخرًا عن صورة تجمع وجهه بصورة الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة داخل الصين، انعكست سريعًا على تعاقداته الإعلانية. وكانت شركة «دونغبنغ» للمشروبات من أوائل الجهات التي أعلنت إنهاء تعاونها مع اللاعب، بعدما سبق أن استعانت بصورته وصوته في حملات ترويجية لمشروبها الرياضي. كما اتخذت مجموعة «منغنيو»، إحدى كبرى شركات منتجات الألبان في الصين، قرارًا بوقف التعاون معه، وشمل ذلك شركة «ميلك غراوند» المتخصصة في منتجات الألبان والجبن والتابعة للمجموعة. وقدرت تقارير إعلامية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، قيمة بعض الاتفاقيات الدعائية المرتبطة بمبابي في الصين بنحو 50 مليون يوان، أي ما يعادل قرابة
6.7 ملايين يورو. لكن صحيفة «إل باييس» الإسبانية أشارت إلى أن بعض هذه التقديرات تتضمن اتفاقًا إعلانيًا سابقًا مع منصة «شياوهونغشو» انتهى عام 2024، وبالتالي لا يمكن اعتبار المبلغ بأكمله قيمة العقود التي خسرها اللاعب بسبب الأزمة الحالية. وامتدت التداعيات إلى المواد الترويجية الخاصة بمبابي على المنصات الصينية، فيما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية أنها لم تعثر على قمصان تحمل اسمه خلال زيارة لأحد متاجر «أديداس» الكبرى في بكين، رغم استمرار عرض قمصان ريال مدريد. وفي مواجهة هذه التطورات، قدم مبابي اعتذارًا عن تصريحاته، قبل أن تصدر رابطة الدوري الإسباني اعتذارًا باسم المسابقة وأنديتها، ثم أصدر ريال مدريد بيانًا أكد فيه احترامه للصين وشعبها وحرصه على استمرار العلاقات التي تربطه بالبلاد. هل تتحول الأزمة إلى خسائر لريال مدريد والليغا؟ حتى الآن، تبدو الأضرار المؤكدة أكثر ارتباطًا بعقود مبابي الإعلانية، بينما لا تزال التداعيات المحتملة على ريال مدريد ورابطة الدوري الإسباني مرتبطة بمستقبل اتفاقيات البث
والرعاية داخل السوق الصينية. فمجموعة الإعلام الصينية لم تعلن في آخر البيانات المتاحة استئناف بث مباريات الليغا، بينما لم تكشف منصة «ميغو» عن إنهاء اتفاقها الممتد حتى عام 2030، واكتفت باستبعاد مواجهة ريال مدريد أمام راسينغ سانتاندير من جدول البث. ويظل الفارق كبيرًا بين تعليق مباراة أو وقف بث مؤقت وبين إلغاء عقود تجارية ممتدة، خاصة أن القيمة التقديرية البالغة 400 مليون يورو لا تمثل خسائر فعلية، بل حجمًا محتملًا لأعمال حقوق البث خلال عدة مواسم. وبين اعتذارات الأطراف الإسبانية وتحركاتها الدبلوماسية، تترقب رابطة الدوري الإسباني وريال مدريد تطورات الموقف، في ظل شبكة مصالح تجارية وجماهيرية بنتها كرة القدم الإسبانية داخل الصين على مدار سنوات. وتكشف الأزمة عن مدى تأثر صناعة كرة القدم بالعلاقات التجارية والثقافية خارج الملعب، بعدما تحولت تصريحات لاعب واحد إلى أزمة تجاوزت حدود النادي، ووضعت حقوق البث والرعاية والانتشار التجاري للكرة الإسبانية أمام اختبار جديد في واحدة من أهم أسواقها الدولية.
